19.3 C
لوس أنجلوس
6 يونيو، 2020
الوميض
آراء

جائحة كورونا والعهدة الخامسة

 إنه لمن نافلة القول، أن العهدة الخامسة كادت أن تكون بداية النهاية لمشروع الدولة الوطنية، بعد بلوغ التحلل والاضمحلال والتفكك والتفسخ أقصى حد، على كل المستويات الأخلاقية والسياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

بلغ الانحدار حدودا لا تطاق على مدار الـ20 عاما الأخيرة، ومما زاد من حدة ذلك أن البلد استهلت تلك الفترة وهي مثخنة بالجراح تنزف دما بعد عشرية من الحرب المسعورة راح ضحيتها 200000 ألف قتيل بحسب تقديرات موضوعية.

خلاصة العقدين كانت فساد أخلاقي وسياسي ومالي وثقافي، أتى على الأخضر واليابس، حصيلته شقيق الرئيس المخلوع وقائد جهاز المخابرات لقرابة ربع قرن ووزيرين أولين (أحدهما شغل رئاسة الحكومة أيضا قبل تعديل الدستور) فضلا عن العشرات من الوزراء ورجال الأعمال وعدة ضباط سابقين في الجيش وحتى من المسؤولين على مستوى الولايات والإدارات المركزية والمحلية. النتيجة أن مجموع ما خسرته البلاد بفعل الفساد الممنهج والرشوة، سيتجاوز 250 مليار دولار بالحدود الدنيا، وهذا بحسب مصادر موثوقة.

ما الذي كان سيحصل مع كورنا في ظل حكم العصابة؟

إنه السؤال الكبير، ما الذي كان سيحصل في زمن الكورونا، و الجزائر بقيادة عصابة تحكم باسم شبح رئيس لم يعد قادرا حتى القيام بحاجته البيولوجية على النحو الطبيعي (اللهم لا شماتة). وبالتالي ليس مفاجئًا بالمرّة أنْ تتكالب المافيا المالية والاوليغارشية التي تربت على أعين الرئيس المخلوع وشقيقه الذي كون زمرة بامتدادات دولية وتحالفات مع شبكات المصالح العابرة للحدود على مدار عقدين من الزمان، وانتقلت إلى السرعة القصوى في حشد الحشود والقوى المضادة من أجل تمرير العهدة الخامسة، ليس فقط من أجل ديمومة المصالح الفلكية التي كونتها وبنتها على مدار عقود، بل لمنع اكتشاف أركان الجريمة في حال وصول شخصية من خارج منظومة الفساد إلى الحكم.

هل سيتمكن المراقب المحايد مثلا أن يتصور سيناريو جائحة كورونا في ظل وزير أول هو عبد المالك سلال أو أحمد أويحي أو حتى نور الدين بدوي وربما أقول بعد استغفر الله، عبد السلام بوشوراب، الذي كان أن يتسلل إلى منصب الوزير الأول في ربيع العام 2017 لولا لطف الله، كل ذلك تحت حكم “رئيس فعلي” هو السعيد بوتفليقة، الذي هرب بخاتم الجمهورية منذ سنوات؟

كيف سيكون التعامل مع كورونا في ظل تلك النماذج البشعة من الحكم، وبأي إستراتيجية سيواجه الشعب الجزائري قدره المحتوم في ظل صراع مصالح محموم بين أعضاء عصابة منظمة داخلية وامتداداتها الخارجية التي وصلت إلى الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل ودبي وبيروت وهونغ كونغ دون ذكر الملادات الضريبية في الكاريبي التي فضحتها أوراق بنما، وبين هذه القوى التي عرت عن وجهها القبيح وعن أطماعها في التدخل الصريح في الجزائر بعد أن أحكمت تطويقها من ناحية البر والبحر بقواعد أمريكية فرنسية وبريطانية في مالي والنيجر والمتوسط وبحرب استنزاف في ليبيا. كيف ستواجه الدول الجزائر هذه التحديات في زمن كورونا وهي بدون رئيس شرعي وبدون مؤسسات شرعية وأكثر من ذلك بدون موارد تذكر؟

تفكك كلي للدولة

ثمة في الجزائر وحتى خارجها، منذ سنوات على الأقل مَنْ تنبأ على أساس الممارسات التي كانت سائدة والمتمثلة في عبث شقيق الرئيس المخلوع، وحلقة الفساد التي بناها حوله، أن الدولة بلغت درجة متقدمة من التفكك، وأنه لولا المقاومة الشديدة لمؤسسة الجيش، لكان حال الجزائر لا يختلف اليوم عن حال سوريا وليبيا، وكانت جائحة كورنا ستحصد من الجزائريين الآلاف وربما مئات الآلاف من الضحايا، لأن التجربة علمتنا أن السعيد بوتفليقة وعلى حداد وأويحي وسلال وبوشوراب والإخوة خنينف ومن على شاكلتهم سيسارعون للاستثمار في الجائحة لنهب وتحويل المزيد من احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى الخارج.

هل كان لمؤسسات هشة فاقدة للشرعية، وبنماذج حكامة رديئة أن تواجه الآثار الاقتصاديّة والاجتماعية لجائحة كورونا بنفس المنهجية والشجاعة والجرأة التي يعيشها الشعب اليوم في ظل رئيس شرعي. هل سيكون باستطاعة رئيس مقعد أن يتابع الأوضاع ويعقد اجتماعات لمجلس الوزراء والمجلس الأعلى للأمن ويتابع كل شاردة وواردة ويصدر القرارات اللازمة لمواجهة الجائحة، هو الذي كان يعقد اجتماعين اثنين فقط لمجلس الوزراء طيلة السنة.

كورونا وميهوبي رئيس؟

على الرغم من أنّ شقيق الرئيس المخلوع وزبانيته فشلوا في تمرير مشروع العهدة الخامسة للأسباب التي نعرفها، إلّا أنهم حاولوا لعب ورقة القوة الناعمة من خلال تقديم وزير الثقافة الأسبق والقيادي في حزب التجمع الوطني الديمقراطي عز الدين ميهوبي، في الانتخابات التي جرت في 12 ديمسبر 2019، في صفقة لم تتوانى العصابة في حشد الدعم المادي والمعنوي لها، بداية من ضخ أموال طائلة لدعم المرشح من عناصر الأوليغارشية المتواجدين داخل سجن الحراش عبر أذرعهم خارج السجن بتخطيط دقيق ربما لا يزال قائما إلى حد كتابة هذه الأسطر، وحتى من خلال بناء أحلاف مع قيادات مدنية وحتى أمنية ساهمت في التأثير على الناخبين من خلال دعمها المفضوح والعلني لهذا المرشح، وأكثر من ذلك، شرعت في استعمال وسائل الإعلام الوطنية ومنها العمومية لمهاجمة المرشح الحر عبد المجيد تبون، رغم الميثاق الذي وقعته وسائل الإعلام والسلطة المستقلة والمرشحون الخمسة.

ماذا كان سيفعل، مرشح ضعيف الحيلة قليل الخبرة، لم يعالج ملفا سياسيا طيلة حياته المهنية، وكيف سيتعامل مع تداعيات جائحة كورونا التي ركع تحت ضرباتها كبار العالم وقادته من الفاعلين في مجلس الأمن، كيف سيفعل وهو الذي أظهر ضعفا لا نظير له في التعامل مع مخلف الملفات خلال المناظرة التي عقدت خلال الحملة الانتخابية.

هل كان ميهوبي، سيتخذ قرارا بجلب الطلبة من يوهان، مثلا، أو يسير عشرات الرحلات الجوية والبحرية لنقل رعايا البلاد العالقين في مطارات العالم، أو بالأحرى تسيير رحلات جوية عسكرية لأول مرة في التاريخ نحو الصين لجلب عتاد صحي لمواجهة الوباء، أم أنه سيتخذ قرارات جريئة للتصدي للآثار الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لأزمة كورونا. هل كان سيلغى الضريبة على الدخل ويرفع الأجر المضمون مثلا في ظل الوضعية الاقتصادية الراهنة بنفس العزم والإصرار والشجاعة التي أبداها الرئيس عبد المجيد تبون رغم هول عواصف الأزمة.

اويحي يعد الشعب الفقر، فماذا سيفعل ميهوبي؟

ميهوبي، وهو القيادي في حزب كان على رأسه شخص منَ على الجزائريين أكل علبة “ياغورت” وقبلها وعدهم بالفقر كما يفعل الشيطان (ٱلشَّيْطَٰن يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْر َوَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ ۖوَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَة ًمِّنْهُ وَفَضْلًاۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ(البقرة – 268))، أويحيى فعل في سبتمبر 2017 لما نزل إلى البرلمان وبشر الشعب بطباعة النقود في حين استمر أصدقائه من لصوص المال العام يحصلون على قروض بنكية بدون ضمانات قبل أن يكتشف المواطنون أن أصدقاء أويحيى كانوا يغترفون الأموال وكان هو أيضا من الغارفين.

في ظل هذا السيناريو الثاني، كان سيستمر الفساد ونهب المال العام والإقصاء والتهميش وفقدان الأمل واستقالة النخب الحقيقية من الحياة العامة، مما سيعدم الأمل في أي انتعاش سريع أو خروج  من الأزمة بأخف الأضرار، وستكون كورنا أخر مسمار في نعش الوطن لا قدر الله.

حسنات كورونا

إن من حسنات جائحة كورونا على قلتها أنها كشفت للشعب الجزائري وبدون أن يدفع فلسا واحدا لمعرفة حجم الدمار الشامل الذي يعيشه الاقتصاد بعد 20 سنة من التخريب الممنهج من طرف العصابة، وكشفت النظام الصحي المترهل وأيضا التخلف الذي هي فيه المنظومة البنكية والهوة الرقمية التي تعيشها البلاد مقارنة مع اقتصاديات دول قريبة من الحالة الجزائرية، كما كشفت أن البلد هو خزان للمواهب والعبقريات الرهيبة التي بإمكانها صنع الفارق، وخاصة في ظل وجود قائد شرعي شجاع، يعرف الجزائر جيدا، ويملك رؤية الإقلاع لإخراج البلاد من التخلف والمضي بها نحو بناء اقتصاد وطني متنوع.

لقد كانت جائحة كورونا فرصة تاريخية أيضا لتعرية سلسة الفساد التي تريد الحفاظ على الوضع القائم، تشمل ضمن حلقاتها، المنتفعين من المنظومة السابقة والذين يسعون إلى إعادة الرسلكة والتشكل من جديد والتمظهر في حلة قابلة للتسويق في المرحلة الجديدة التي أعقبت رئاسيات ديسمبر، بهدف عدم خسارة الامتيازات والثروات الهائلة التي اكتسبت بطرق غير مشروعة طيلة العقود الماضية، وخاصة بعد تأكيدات الرئيس الشرعي بأن عهد النهب انتهى، وهذه الحلقة في الحقيقة لم تنتفع لوحدها بل كانت لها امتدادات مشبعة تصل إلى خارج الحدود لكونها تمثل قاعدة المنظومة البيروقراطية التي سيطرت على القرار الإداري لعقود وجعلت منه قاعدة للإثراء غير المشروع، وهو ما يدفعها دوما لمحاولة عرقلة مشروع بناء الجزائر الجديدة.

عبد الخالق المحمدي

Related posts

أخبار وفيات الكورونا غطت على أخبار زلازل ايران

التحرير

الحراك:ماكرون، سطورة، وقمة المتوسط

التحرير

الدعوة إلى عقد قمة مغاربية للرؤساء والقادة عن بعد

التحرير

اترك تعليق

//graizoah.com/afu.php?zoneid=3134318