14.3 C
لوس أنجلوس
4 أبريل، 2020
الوميض
آراء الحدث

الهجرة والإسلاموفوبيا..قضايا رواية “من يستأجر لي وطنا؟”

حاولت رواية “من يستأجر لي وطنا؟” للكاتب والصحفي الجزائري الطاهر مرابعي، والتي صدرت حديثا (2019) عن دار خيال للنشر والترجمة بالجزائر، حاولت كباقي الروايات الأدبية العربية المعاصرة أن تقارب واقع المجتمعات العربية بمختلف تجلياته، مقاربة أدبية فكرية فنية دراماتيكية، بحيث يجد القارئ نفسه أمام مشاهدها وكأن واقعه الشخصي يمثل أمام أنظاره، خاصة فئة الشباب الحالم بوطن أفضل.

الدكتور:إدير نسيم

بالرغم من أن الكاتب قد رسم حدوداً جغرافية وتاريخية أثناء سير أحداث الرواية (فترة ما بعد المرحلة الاشتراكية من تاريخ الجزائر المعاصر) إلا أن العمل بمجمله يغوص في تاريخ وجغرافيا الوطن بشكل خاصّ والعالم العربي بشكل عام، عارضا في ذلك أهم المشاكل والأزمات التي مرّ بها ولا يزال، فلا يختلف اثنان في أن واقع العالم العربي بما هو واقع مأزوم منذ عصر الضعف والانحطاط إلى يومنا هذا ما فتأ ينتج مزيدا من العُقد والصراعات، الذي بدوره أنتج لنا شخصية مبتورة فكريا ووجوديا، شخصية إنسان عانى ولا يزال من ظلم أنظمةٍ، الكل ساهم في تشكيلها بطريقة أو بأخرى. وما القضايا الإشكالية التي طرحها الكاتب، مثل قضية التعدّد الألسني والعرقي والديني والحريات الفردية والأقلية، ونظرة الإنسان الشرقي للحبّ والمرأة، والصراع العربي الفلسطيني مع الصهاينة، وكوننة العالَم، ومشكلة العنف الإرهابي، والإسلاموفوبيا، ومحاولة تبيئة أنظمة سياسية واقتصادية جديدة وغريبة إلى حدّ ما داخل الفضاء العربي الإسلامي وما نتج عن ذلك من صراعات وإخفاقات ونكسات إلا خير دليل على كلية وشمولية هذا العمل.
وقد حاول الكاتب أن يضع يده على هذا الجرح الوجودي من خلال ظاهرة الهجرة، وهذه الأخيرة تُعتبر من أبرز الظواهر التي يشهدها العالم الثالث.. ظاهرة ألهمت ولا تزال الكثير والعديد من الأقلام، كلٌّ حسب المجال والاختصاص الذي ينتمي إليه، وهذا العمل يمكن أن نصنّفه ضمن الأعمال الأدبية التي حاولت مقاربة هذه الظاهرة مقاربة أدبية فنية فكرية، لكن مع وجود بعض الاختلافات عن الأعمال الروائية السابقة التي تناولت هذه الظاهرة، حيث نلمس من خلال سير أحداث هذا العمل الروائي التي جسّدها شخوصها، خاصة بطلها (زهير/ إبراهيم) أن لهذه الظاهرة أسباب عديدة، تاريخية، نفسية، سياسية، ثقافية… فمن الجانب النفسي فقد كشف الكاتب أن ظاهرة الهجرة، ظاهرة قسرية لدى الإنسان، فهي تُعبّر عن إنسان فاقد لمعنى التوازن النفسي، ومحروم من الثقة في نفسه أولا وفي غيره ثانيا. وتاريخيا؛ شخصية تعاني من تراكم صراعات تاريخية وإخفاقات سببُها الرئيس الاستعمار المتكرّر والذي بدوره ساهم في انشطار الذات عن مكوّناتها التاريخية والهووية. اجتماعيا؛ تعود بالأساس إلى فشل العلاقات الاجتماعية التي تربط بين الأفراد والحرمان من أبسط الحقوق التي تضمن الشروط الأدنى للمعيشة الكريمة. ثقافيا؛ تخلص في الصراع الثقافي بين المكونات الثقافية والرمزية من لغة ودين وعرق داخل المجتمع الواحد. وكل هذا أنتج ولا يزال حروباً أهلية وصراعات بين الأفراد والبلدان! وأنتج إنسانا مبتورا عن ذاته، مغتربا عن واقعه. وكل هذا جعل الإنسان العربي يعيش ضغطا رهيبا بين سندان النُّظم السياسية ومطرقة واقعه الشخصي. أوّلاً على الصعيد الداخلي ناتجة عن استبداد أنظمة الحكم، التي لم ترق إلى مستوى بناء دولة حديثة ذات مقوّمات قوية تضمن نمطا حياتيا أفضل لشعوبها، وفشل البرامج السياسية (اشتراكية، رأسمالية، إسلامية) التي انتهجتها بهدف دفع عجلة التنمية في هذه البلدان. ثانيا، على الصعيد الخارجي، بحيث صور الكاتب العالم الغربي خاصة الرأسمالي منه والذي يتغطى بغطاء الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ما انفك ينهب ثروات شعوب العالم الثالث، موقعا به بذلك في مختلف المشاكل والصراعات التي أدت ولا تزال إلى تعقيد تلك الأزمات بشكل أكبر، فهو يستثمر في أزماته ويعمّق جراحه على حساب أطماعه الإمبريالية التوسّعية.. كل هذا أنتج لنا شخصية يمكن أن نقول عنها بأنها تكافح على جبهتين، جبهة الداخل والتي تكمن في مواجهة الإنسان العربي لهذه الأزمات التي شكّلت شخصيته ومحاولته التخفيف من وطأتها، والجبهة الثانية الخارجية تكمن في محاولته الفرار إلى هذا الغير (العالَم المتقدم) علّه يجد فيه ما يصبو إليه!.
لا نجانب الصواب إذا ما قلنا أن هذا العمل أراد تجسيد وتفكيك هذا الأمر من خلال ظاهرة الهجرة، في ظل استعمار جديد يعتمد على مكر العمالة المخابراتية، والتي يكون التقدم التقني فيها سلاحا بنفسجيا فتاكا، أين يُتلاعب بالعقول ويُعزف على وتر المشاعر والعواطف المرتبكة التي تنشد الخلاص الوجودي بأيّ ثمن، وما سمة الشكّ في كل شيء والخوف من أيّ شيء لدى بطل الرواية إلا خير دليل على هذا الوضع.
من جهة أخرى إنّ اختيار صاحب الرواية بلدان أوروبا الشرقية، ليعقد عبرها تفاصيل مغامرة بطله، يعود ربما إلى تشابه الأوضاع بينها وبين دول العالم الثالث، فكلاهما يعاني ولا يزال من بطش ونفوذ العالَم الرأسمالي، كما أن بلدان هذا الجزء من أوروبا تاريخيا لم تدخل في العموم في صراعات دامية مع العالم العربي، بل حاولت دائما الحفاظ على العلاقات الودية مع الدول العربية الإسلامية، وفي الكثير من الأحيان كانت حليفة لها في صراعها ما العالَم الغربي الرأسمالي.
والشيء الجميل في هذا العمل هو أنه حلزوني؛ فنقطة النهاية تعود إلى نقطة البداية، وذلك عندما عاد المؤلِف في الأخير إلى نقطة بدايته وهي الوطن، فلا أحد يمكنه أن يستأجر لك وطنا، والأوطان لا تصلح أصلا للاستئجار، ولكن هذه العودة في الأخير من حيث التصوّر عكسية تماما للبداية؛ فإذا كان في بدايته رمى بثقل الأزمات والخيبات التي يعاني منها الوطن، وبالتالي تكون الهجرة خيارا إمكانيا، فإن في نهايته فتح نوافذ الأمل على مصاريعها، أمل ممزوج بنوع من التمنّي والتمسّك بالمبادئ، خاصّة الروحية منها، في ظل عالم لا يؤمن إلا بالقيم المادية والمصالح الشخصية الضيقة، التي يجب على كل وطنيّ حقيقيّ أن يتحلّى بها، والتي يمكن أن نلخّصها بقولنا: الأوطان تؤمن بنا فقط عندمنا نؤمن بها، الأوطان نسكنها فقط عندما تسكننا. أضف إلى ذلك ربما ليس دائما خيارا صائبا، سواء تعلّق الأمر بكون مغادرة الوطن لا تعني دائما النجاح الماديّ في الأوطان الأخرى، خاصة كما قلنا في عالم غربي لا يؤمن إلا بالقيم المادية وعنصري في الغالب تجاه إنسان العالَم الثالث، أو ما تعلق بالجانب الروحي؛ فحتى وإن حقّق المغترب نجاحا لا بأس به على المستوى المادي إلا أن الحنين إلى وطنه وأهله لا يفارقه في الغالب، وبذلك لا يفارق الاغتراب وجوده. وهذا ما كشف عنه المشهد الأخير من الرواية، فبعد أن جال البطل وصال في ديار الغربة لم يجد في الأخير عن الوطن أحسن مأوى يأويه.
وكل هذا يجعل من هذا الإبداع الروائي يختلف إلى حدّ ما في نظرته لطبيعة العلاقة الثنائية بين الشمال والجنوب، لأن الكثير من الأعمال الأدبية السابقة تصوّر لنا إنسان الشمال على أنه هو الحائز الرئيس لمفاتيح سلطان الحقيقة والحضارة والحرية، وبذلك فهو الوحيد الذي يمكن أن ينتج ويضمن قيما وواقعا تقدميين، ومن ثمة فما على إنسان الجنوب إذا أراد عيشة حرّة حضارية متقدمة إلا الهجرة والالتحاق بهذا العالَم، فنهاية الرواية تجسّد لنا تصوّرا ومفهوما عكسيا لهذا الطرح، حيث أن الخلاص أبدا لا يمكن أن تطلبه في أوطان الغير، بل الخلاص لابد أن يكون هنا والآن في وطنك، فنهاية هذا العمل الروائي تحمل توصيات جدّ قيّمة للأجيال القادمة، علّها تفيدها، والتي يمكن تلخيصها في أنه بدلا من البحث عن وجوهنا في مرآة الآخر المختلف عنّا فإنه يتعيّن علينا بالأحرى البحث عنها أولا في مرآة أنفسنا، ومادام الإنسان لا يمكن أبدا أن يخرج عن ذاته ليكون آخر، فإنه يتعيّن عليه أن يعيد النظر مرارا وتكرارا لما شكّله وكوّنه، وأن يتصالح مع ذاته وتاريخه ومع تراثه، مع دينه وقومه، ومع رموزه…، وأن يستثمر ويثمن كل ما هو إيجابي فيه، وأن يقبل الاختلاف دون إجحاف ولا إقصاء ولا تعصّب، ودون مجازفة فإنه من الصدق القول بأن العولمة حاولت أن تُذيب مختلف الحدود القائمة بين الشعوب، وأن تقرّب بين شعوب المعمور، خاصّة في ظل التسهيلات التكنولوجية، ولكنها مع ذلك للأسف في الواقع فعلت ذلك باختزال القيم الصحيحة والصائبة في النموذج الغربي المهيمن، نعم الانفتاح على العالم ضروري، لكن لابد أن يكون انفتاحا متكافئا وعادلا بين كل الأطراف، حيث تُحفظ وتُصان خصوصية الأفراد والمجتمعات المختلفة.
إن الأوطان إذا ما أرادت أن تستمرّ وتنمو وتتطوّر فما عليها إلا أن تحتضن نفسها بنفسها، وذلك بأن تهب لأبنائها الحياة كيما يسهروا على خدمتها بكل أمانة وصدق. إن العمل عبارة عن دعوة للتصالح مع الذات والوطن، كيما تدفع عجلة التنمية والرقيّ إلى الأمام، إنه صرخة أملٍ من أجل مستقبل زاهرٍ للأوطان العربية الإسلامية.

Related posts

10 طلبات ترشح للرئاسيات!

عبد السلام .ص

الإفراج عن يسعد ربراب

رابح ياسين

إيداع اللواء جبار مهني الحبس المؤقت

عبد السلام .ص

2 تعليقان

Avatar
Said 31 ديسمبر، 2019 at 10:56 م

رواية تستأهل القراءة،لكاتب وروائيّ جزائريّ واعد،استطاع بروايته هذه أن يظهر لنا الصراع الذي عايش المواطن الجزائريّ والعربيّ في رحلة البحث عن الملاذ الأخير،الذي هو الوطن.

رد
التحرير
التحرير 25 مارس، 2020 at 7:00 م

الاخ سعيد لابد انك طالعت الرواية ووصفك جيد لها.. مشكور على مرورك

رد

اترك رد

//ofgogoatan.com/afu.php?zoneid=3134318