الوميض
الحدث ثقافات

المبدأ الدونكشوتي!

قرأت واستمتعت برواية دونكشوت، وبالرغم من الطابع الهزلي لهذه الرواية ولكنها تصور شريحة كبيرة من الناس على مبدأ السي دونكشوت المحترم.

د.رائد ناجي

وملخص هذه الرواية أن السيد دونكشوت ارتدى لباسا عسكريا وبدأ البحث عن عدو لكي يقاتله، فبطلنا الهمام لا يستطيع العيش أبدا من دون عدو إذ كيف يمكن أن يثبت شجاعته وبطولته دون قتال عدو؟

د.ناجي رائد كاتب من فلسطين

وانطلق السيد دونكشوت في فيافي الأرض يجوبها مع سيفه وحماره، وكانت فرحته كبيرة جدا حين وجد العدو بعد جهد وإعياء، وقرر بينه وبين نفسه وأصدر مرسوما لنفسه أن يقاتل طواحين الهواء، فأينما وجد طاحونة هواء ناجزها بسيفه،

ومضى يبحث عن غيرها، إلى أن أتعبه السفر ونفد الطعام والماء وأنهك حماره، وفي إحدى بطولاته الدونكشوتية ألقته طاحونة هواء أرضا فآلمه ظهره، وأمسى متعبا منهكا، تؤلمه الرضوض، وأترك لكم أعزائي القّراء تصور مصير دونكشوت.

إذا أسقطنا هذه الحكاية على أرض الواقع، فكم من دونكشوت بيننا اليوم، يكون في تمام الصحة والعافية وميسرة أغلب أموره أو بعضها على الأقل، ثم يغلبه عقله على الطريقة الدونكشوتية، فيصطنع لنفسه عدوا وهميا،

فمثلا يلقي على الظروف عجزه وتعبه وكأنه يصنع منها طاحونة هواء، وهناك من يصنع العوائق ويضع كل سلبيات الأرض أمام ناظريه حتى يرى الأبيض أسودا، ويصنع بدل الطاحونة ألف طاحونة تنهش طاقته وتركيزه ليعود كدونكشوت متعبا ومنهكا ومحطم الآمال والأحلام.

وإذا اسقطنا الحكاية على سياسات دولستان لوجدنا مبدأ دونكشوت من المسلمات التي لا تقبل التعديل ولا التبديل على مبدأ الدساتير الجامدة،

بل لوجدنا أن من لم يكن دونكوشوتيا فهو غريب واستثناء شاذ، لأن “الدنكشتة” دخلت تفاصيل حياة دولستان من مفرق الرأس إلى أخمص القدمين،

وتجذرت في النفوس والعقول والقلوب، ولدي أمثلة كثيرة على قولي، تبدأ من أبسط الأمور في الحياة والمعاملات إلى أعقد الأمور، وتطال أدعياء الثقافة والفكر ولم يسلم منها أدعياء المشيخة والدين والساسة.

في جانب المعاملات مثلا، تجد شخصا يصنع طاحونة هواء من لا شيء، فأول ما يضع قدمه خارج عتبة منزله ويرى قطا فيقول اعوذ بالله “ويلوي رقبته” جانبا

ويقول :أف! يصادفني هذا على الصباح ؟، وهناك من إذا تأخرت حافلته فيقول كيف لا تتأخر وقد رأيت فلانا؟؟

وإذا وقع طفله وهو يلعب مع أقرانه فيقول عين جاري فلان، فالنتيجة ربط مصير حياته بالعدو المصطنع وفي النهاية تسيج نفسه بطواحين الهواء.

وأما أدعياء الثقافة أذا احتبس عليه القلم، يقول لك بسبب الأديب الفلاني فقد “ضبح” علي مساء الأمس، ومنهم من يصنف الأدباء والشعراء والمفكرين فيرى أنهم في مجموعة الأعداء، واستند في تصنيفه على طواحين الهواء التي بناها في نفسه؛ أي فعّل نظام دونكشوت، وأعتبر فلانا حاسدا له، وفلانا كارها له، ينتقده في كل جملة يخطها وفي كل حرف ينبسه.

أما سمو ومعالي الذي يدعون المشيخة، فكانوا سباقين لصناعة العدو، فمنهم من كفرّ هذا ومنهم من زندّق هذا، ومنهم من أخرج هذا من الملة ، وفي النهاية صنعوا مليون طاحونة هواء بفكرهم السقيم.

أما عن المبدأ الدونكشوتي عند الساسة، فهو مبدأ أصيل، فلهذا تجد دولستان كل يوم تصنع عدوا لها وتخوض حربا لا ناقة لها فيها ولا جمل ولا بعير،

وما أكثر حروب ساسة دولستان وما أقل انتصاراتها بل تنعدم، ولا طائل من ورائها سوى تخريب نفسها، فما اكثر طواحين الهواء في عقول ساسة دولستان وفقاعات الهواء أيضا.

فلا أعلم إن كان مؤلف الرواية تنبأ في روايته بساسة دولستان أم لا؟

Related posts

الرئيس السابق زروال يتبرع بشهر من معاش تقاعده

رابح ياسين

اجتماع فعاليات المجتمع المدني

طاهر خليل

لقاء “الحسم” لعبد المجيد تبون!

رابح ياسين

اترك تعليق