الوميض
الحدث حراك

الجزائر على الطريق السليم..

مرت الجزائر الشقيقة بأوقات عصيبة منذ انطلاق حراكها الشعبي في شهر فبراير من العام الماضي، وخاصة أن ذكريات الحرب الأهلية في تسعينيات القرن الماضي التي صبغت حياة الشعب الجزائري بدماء أبنائه كانت واحدة من المحطات الحالكة التي مرت بها الجزائر طوال تاريخها الحديث.

الدماء الغزيرة التي سفكت خلال سنوات الحرب الأهلية ذهبت هدرا، لم يكن لها هدف وطني، كما هي دماء ملايين الجزائريين التي صنعت النصر والتحرير والانعتاق من نير الاستعمار الفرنسي الذي جثم على صدور أبناء الشعب الجزائري أكثر من 130 عاما (من 1830 حتى التحرير والاستقلال يوم الخامس من يوليو عام 1962).

لم تكن الخشية على الجزائر بسبب الحراك الشعبي، فالمطالب التي رفعها المشاركون في هذا الحراك كانت بمشاركة مختلف قطاعات الشعب الجزائري ومؤسساته السياسية والنقابية المختلفة، وإنما الخشية تكمن في أن تستغل قوى خارجية -كما فعلت في دول عربية أخرى- هذا الحراك للدفع بالجزائر صوب المحرقة التي وجدت نفسها فيها مثل سوريا وليبيا، وبدرجة أقل تونس، مع أن الحراك الجزائري الشعبي لم يتزامن مع انطلاق ما سمي موجات «الربيع العربي»، الذي خرب العديد من الدول العربية ولا تزال تعاني من ويلاته.

النظام السياسي في الجزائر، رغم ما يعانيه من بعض نقاط قصور، يعتبر أكثر تقدما من غيره من الأنظمة، لكن ذلك لا يعني عدم الحاجة إلى التجديد وضخ الدماء القادرة على مواصلة عملية البناء التي انطلقت بعد التحرير والاستقلال، وخاصة أن الجمود الذي شاب النظام السياسي في الجزائر أفرز «طبقة» سياسية أفرزت آفات الفساد والمحسوبية وتسبب في شلل آليات التطوير السياسي التي يحتاج إليها النظام في البلاد لمواكبة التطورات والطموحات السياسية لأجيال ما بعد التحرير والاستقلال.

الآن، بعد مرور أكثر من عام ونصف عام على انطلاق الحراك الشعبي (فبراير عام 2019)، فإن تطورات سياسية إيجابية كبيرة كثيرة تشهدها الجزائر وخاصة بعد انتخاب الرئيس الجزائري الحالي عبدالعزيز تبون في ديسمبر من العام الماضي، إذ بدأت عملية غسل مخلفات الماضي في مقدمتها كنس مراكز الفساد السياسي ووضع العلاقة بين السلطة السياسية الحاكمة والمكونات السياسية المختلفة في الجزائر في موضعها الصحيح من منطلق أن الجميع شركاء في الوطن وفي رسم مستقبله.

الشعب الجزائري الذي قدم ملايين الشهداء من أجل الاستقلال والتحرر من نير الاستعمار يستحق أن يكون شريكا حقيقيا في بناء مستقبل بلده لا أن يكون على هامش العملية السياسية، وهذا ما تحقق الآن بالفعل، حيث قاطرة الإصلاح السياسي الحقيقي في الجزائر قد وضعت على السكة الصحيحة، وهذه القاطرة لا يمكن أن تقطع الطريق الطويل بالسرعة التي تنشدها أو ترغب فيها شرائح من المشاركين في الحراك، ذلك أن السرعة المفرطة قد تؤدي إلى انزلاق العربة عن سكتها فلن تصل إلى المحطة التي ينشدها جميع الحريصين على الجزائر، بل ستؤدي إلى المزيد من الأضرار والخسائر للجميع.

يحسب للشعب الجزائري أنه جعل مصلحة الوطن خطا أحمر لا يمكن القبول بتجاوزه بغض النظر عن الموقف من النظام السياسي، هذا الموقف الوطني السامي كان بمثابة صمام الأمان الذي وقف حائلا دون اندساس القوى الخارجية وتغلغلها في الحراك الشعبي وتطويعه من أجل خدمة مصالحها الخاصة، فهذه القوى كانت تقف بالمرصاد لأي زلة أو انحراف يخرج عن الحراك وفعالياته المختلفة من أجل استغلاله في الاتجاه الذي تريده هذه القوى، فالجزائريون وهم يرفعون الشعارات المناهضة للنظام السياسي القائم ويدفعون بمطالبهم المشروعة وضعوا نصب أعينهم تجارب أشقائهم في سوريا وليبيا.

وللإنصاف يجب الاعتراف بأن السلطة الجزائرية فتحت آذانها بجدية وبإخلاص للأصوات الصادرة عن الشارع، وهذا بحد ذاته يعد أحد العوامل الجوهرية التي أسهمت في تجنيب الجزائر تكرار تجارب بعض الأشقاء، فموقف السلطة الجزائرية تقاطع مع موقف المحتجين والمشاركين في الحراك؛ فهذه الأطراف على الرغم من اختلاف مواقفها بل وتضادها فإنها كلها وضعت مصلحة الجزائر، كوطن للجميع، في مقدمة الاهتمامات والأولويات، ومن ثم نجت الجزائر من المحرقة التي أتت حتى الآن على الأخضر واليابس في كل من ليبيا وسوريا.

قد لا يكون ما تحقق حتى الآن مرضيا لشرائح وقوى من المشاركين في الحراك الشعبي، وقد تكون هناك ملاحظات لمدى الاستجابة لهذه المطالب أو بعضها، إلا أن الشيء المهم والإيجابي الذي يجب التمسك به هو أن الجزائر الآن تسير على الطريق الذي يقود إلى المزيد من التطور السياسي والنجاحات الوطنية.

عبد الله الأيوبي

Related posts

بن صالح يتباحث الأزمة مع بدوي

نسيم أمير

لخلافة الفخفاخ..المشيشي يقود الحكومة التونسية

علال مراحي

بالفيديو..كيف تقطع الأضحية في دقائق؟

ليلى التلمساني

اترك تعليق