الرئيسية أقلام حرة التّصحر التلفزيوني الجزائري و فرضية زوال القنوات الخاصة

التّصحر التلفزيوني الجزائري و فرضية زوال القنوات الخاصة

كتبه كتب في 30 أبريل 2020 - 1:55 ص

لا زلت أعتقد أن هناك انفلاتا كبيرا في قطاع السمعي البصري الجزائري،و بالأخص تلك البرامج التي تمّت برمجتها بمناسبة شهر رمضان الفضيل،وذلك لما تحتويه من ارتجالية واضحة و عدم احترامٍ للذّوق العام،وافتقارها لفكرةٍ وهدفٍ يخدُمان المتلقي،وهذا ما كان يجب أن يكون .

و أوعز كل هذا حسب تقديري الشخصي إلى بعض الأسباب الأساسية والتي يأتي على رأسها :

غياب الجانب الفني التقني : غياب كُتّاب سيناريو حقيقيين،و مخرجين و حتى نُقاد يعني غياب النص الجيد و الفعال بحد ذاته،الذي يعطينا دور كل شخصية من الشخصيات وهذا طبعا غير مقبول ولا معقول،بناءً على أن كل عمل أو انتاج لا يمكن تسميته بهذا إلا إذا كان فعلا يختزل فكرة محددة هادفة،وحتى إن كانت فكاهية فلا بأس بالترفيه لأنه أحد وظائف الإعلام،الغير مسموح به هو الإرتجالية و الإستهزاء بالجمهور المتلقي .

غياب الرقابة : ويتمثل في مهمة سلطة ضبط السمعي البصري التي من المفروض أن تعمل على حماية المشاهد من هذا العبث في الانتاج،وعليه لا بد من رقابة قبلية،كما يجب أن يتحمل مدير الانتاج لكل قناة عواقب ما تم انتاجه لأنه يعلم بكل صغيرة و كبيرة حول ما سيتم عرضه على قناته .

غياب التأهيل والتكوين: وهنا يمكن القول أن الجزائر تفتقر وبشدة إلى المدارس أو المعاهد التي تخرج لنا كتاب سيناريو،أو حتى تقنيين بمستوى عالٍ يجابه و ينافس الأسماء العربية و الأجنبية الكبيرة،وحتى إن كان هناك مخرجين أو فنيين شباب، فهم يفتقرون كذلك للتجربة و الخبرة العميقة،التي لا تأتي إلا بالإحتكاك مع أهل الإختصاص من ذوي التجارب الحقيقية و المتعددة،ولن تأتي هكذا لوحدها ولو قضى سنوات في العمل، فنحن نتحدث عن الإحترافية بعيدا عن مسميات الموهبة التي أغرقت المشهد بالفضائح و المهازل .

غياب إرادة سياسية: النهوض بهذا المجال يتطلب رؤية خاصة و جادة من طرف صانعي القرار في البلاد،لأننا وكما نعلم،أن جل الحكومات تعتمد على الانتاج السمعي البصري على اختلافه ( أفلام،مسلسلات،برامج مختلفة،أفلام وثائقية،أخبار،مسابقات…) من أجل التسويق لإيديولوجية محددة تعزز مكانة الدولة و سياستها بين الدول،أو تُعرّف من خلال الانتاج بالعادات و التقاليد و نمط معيشة المجتمع الذي ينتمي إليها،و لأننا لا نولي هذا القطاع أهمية بالغة،ولا نعول عليه حتى كمصدر من مصادر المال العائد بالنفع على خزينة الدولة،ونحن نعلم حجم عائداته الهائلة،التي قد نستغني بها عن عائدات البترول،فقد تُرك أمره إلى أشخاص لا يمتون له بصلة فعاثوا فيه فسادا، و شرّدوا أصحابه الحقيقيين،شأنه شأن الإعلام تماما .

غياب النقد : يعتبر نقد الإنتاج السمعي البصري، عاملا أساسيا لبلوغ أي عمل فني مبلغا مرموقا،ينافس الإنتاج العربي أو غير العربي،وللأسف نجد أنفسنا لا نملك هذا النوع من النقد،وعرض المنتج على أصحاب الذوق المرتفع،قصد غربلته من الشوائب العالقة فيه،و تقديمه للمشاهد بشكل أرقى و أجمل و أكثر جاذبية،لأن إرضاءهم عنصر مهم جدا،فالمخرج أو الفنان لا يعملان ليشاهدا نفسيهما على الشّاشة بل ليشاهد عمليهما  الملايين و يُعجبوا بما قدماه،وكأن المتلقي مرآة عاكسة للمجهود المبذول وما الرضا و الإقبال أو الإشمئزاز و الإدبار على تلقي المُنتَج التلفزيوني إلا نتيجة تلخّص مفهوميْ “النجاح أو ” الفشل” .

غياب المنافسة الجادة : الجميع يعلم أن المنافسة الجادة و الحقيقية،المبنية على أسس و معايير و استراتيجية ،لها دور مهم جدا في الرفع من المستوى بين المتنافسين،و لأنها شبه منعدمة لدى مؤسسات الإنتاج السمعي البصري في الجزائر،تظهر بجلاء سخافة البرامج و سطحيتها،وما يعرف بالكاميرا الخفية خير دليل على ذلك،مع أنها ليست الوحيدة التي تميزت بالسطحية في الإنتاج السمعي البصري الجزائري،ومثال ذلك: مطعم أو فندق لا يقدم الخدمات بالشكل الواجب تقديمه للزبون،أين يجد هذا الأخير نفسه غير مضطر للأكل عند مطعم فاشل أو المبيت داخل فندق لا يلبي له حاجياته و يحترمه كنزيل.فكما يغير الزبون المطعم والفندق وغيرهما،يغير كذلك القناة التي تريد النزول بذوقه الراقي إلى الحضيد،ولسنا نتحدث عن عشرة او عشرين أو ألفا،بل نحن نتحدث عن ملايين المشاهدين،وخسارتهم تعني الإفلاس و الغلق،لأن بقاءهم و تضاعف أعدادهم،ضرورة من ضرورات استقطاب المعلنين.

هذا وجدير بالذكر: أن طغيان الذهنية التجارية في الانتاج السمعي البصري الجزائري عمّق من حجم المصيبة و أفرز لنا ما أسميه ( فضلات الإبداع) التي يقودها( فضلات المبدعين) متمثلة في بعض المراهقين على البلاطوهات  مقابل أجر زهيد يُقدَّم لهم ،فالمهم عندهم  هو الظهور أمام الشاشة وليذهب الجمهور الموجود خلفها و على اختلاف أذواقه و أعماره و ميولاته إلى الجحيم،وهذا لا ينفي كونها قنوات تجارية من حقها كسب أرباح لتغطية عديد الأعباء التي لا يتسع المقام لعدّها،ولكن نحن ضد طغيان الذهنية التجارية،وضرب رغبات المتلقي عرض الحائط.

الأمر الذي أغرقنا في ظاهرة أطلق عليها  (التصحر الفني التلفزي) أي غياب تام لكبار الشاشة أو الوجوه و الأسماء الثقيلة التي تعود عليها المشاهد الجزائري طيلة سنوات،والتي كثيرا ما أدخلت الفرح و البسمة للبيوت و القلوب،وطبعا هذه الفئة لن يكون أجرها زهيدا نظرا للعوامل التي ذكرتها،فتصدهم أشباه المؤسسات الانتاجية العقيمة في الجزائر و العاقر التي لا تنتج لنا إلا مولود فني معاق أو مشوه، وتستبدلهم بغيرهم من المراهقين الجاهلين أصلا بمقومات الشعب الجزائري و أصالته و عراقته وكونه شعبا محافظا .

في الوقت الذي نرى فيه،القنوات العربية الأخرى تتنافس على جلب الأسماء ذات الوزن الثقيل لما يمتلكونه من شهرة و قاعدة جماهيرية فنية عريضة تجعل من العمل ذا قيمة عالية على غرار “عادل إمام”  الذي لازال إسمه مطلوبا في الأعمال التلفزيونية رغم كبر سنه،وهنا يتجلى الفرق بين انتاجنا و انتاج باقي القنوات العربية .

لذلك،أرى أن مستقبل هذه القنوات الخاصة مرهون بمدى محافظتها على جمهورها،الذي سيأخذ بالتضاؤل تدريجيا يوما بعد يوم،أو برنامجا بعد برنامج،أين سيتلاشى عامل الثقة بينهما ( القناة و الجمهور ) لأنها لم تستطع تلبية حاجياته من الترفيه و التثقيف،و الإرتقاء بذوقه العام كنتيجة حتمية،التي إن أدرك المتلقي غيابها فسيُدير بظهره عنها،في ظل توفر قنوات بالعشرات يمكنها أن توفر له مطلبه هذا،أو سنكون أمام حتمية اللجوء الإرادي الطّوعي إلى ما توفره منصات التواصل الإجتماعي عبر شبكة الإنترنت،كبديل عن ما تقدمه القنوات التلفزيونية الخاصة ،التي لم تعد قادرة على تلبية حاجيات جمهورها،الأمر الذي يعزز فرضية إندثار الكثير  منها مستقبلا،وهي تواجه جمهورا ذكيا جدا يعرف جيدا أين يعثر على متعته و كيف يوَفّر لنفسه عنصر الترفيه .

طارق.ثابت

تعليقات الزوار ( 1 )
  1. دليلة :

    بار ك الله فيك استاذي العزيز على جهادك في سبيل الحق . قليل من يسخر قلمه لقضايا مثل هذه. قليل من مثلك

    إضافة تعليق تعليق غير لائق

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .