الوميض
الحدث عالم

أمل حذر في “التهدئة”..بين الجزائر وفرنسا!

قالت صحيفة لوموند الفرنسية إن الرئيسين الفرنسي إيمانويل ماكرون والجزائري عبد المجيد تبون يريدان فعلا فتح حوار موضوع “الذاكرة” التي تسمم العلاقات بين بلديهما منذ الاستقلال.

واعتبرت الصحيفة الفرنسية أن هذا الموضوع يعد حقل ألغام؛ وأن إيمانويل ماكرون يعرف ذلك جيدًا، لكنه يتقدم بخطوات وبادرات صغيرة، مصممًا على مواجهة التحدي التذكاري للحرب الجزائرية (1954-1962)، والذي “يمنحه تقريبًا نفس المكانة التي منحه الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك عام 1995 للمحرقة”.

وتضيف لوموند أن ماكرون بتكليفه الأسبوع الماضي رسمياً للمؤرخ بنيامين ستورا بمهمة تتعلق بـ”التفكير بشأن ذاكرة الاستعمار وحرب الجزائر”، فإنه يواصل استكشافه لهذا “الملعب المعقد”. فهذا المؤرخ، الذي “يشيد ماكرون بمعرفته الحميمية والمتعمقة بكل هذه الرهانات”، سيتعين عليه أن يقدم له توصيات بشأن “الخطوات التي يجب القيام بها والإجراءات التي يجب اتخاذها في الأشهر والسنوات القادمة في فرنسا وفيما يخص علاقاتها مع الجزائر، من أجل المضي قدمًا في عمل الذاكرة الذي هو صعب للغاية ولكنه ضروري جدًا لمستقبل العلاقات بين البلدين، وفقاً لشروط وأحكام الرسالة المهمة التي تلقاها بنيامين ستورا من قصر الاليزيه.

وأوضحت لوموند أنه في الجهة الآخرى من البحر الأبيض المتوسط، تتم متابعة مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون باهتمام في الجزائر، لكن من السابق لأوانه التأكد من أن تقلبات العلاقات الثنائية المضطربة لن تسمم العملية.

فالماضي القريب يدعو إلى الحذر، تشيرُ “لوموند”، مذكرة بإحباط مشروع “معاهدة الصداقة” في أعقاب الرحلة الناجحة التي قام بها الرئيس الفرنسي الأسبق الراحل جاك شيراك إلى الجزائر في عام 2003، بعد عامين من اعتماد قانون الـ23 فبراير2005 الشهير، والذي حثّت إحدى مواده الكتب المدرسية على “الاعتراف بالدور الإيجابي للوجود الفرنسي في الخارج، وخاصة في شمال إفريقيا”. ومع أن شيراك حصل على إلغاء هذه المادة بموجب مرسوم من المجلس الدستوري الفرنسي في أوائل عام 2006، إلا أن الضرر كان قد حدث.

“جيل جديد”

وتساءلت لوموند هل تتحلحل الأمور هذه المرة؟، مشيرة إلى تعيين الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في 19 يوليو/ تموز الجزائري لمستشاره المكلف بالأرشيف عبد المجيد شيخي للعمل كمحاور لبنيامين ستورا. لكن مهمة الرجلين ليست مشتركة، وإن كانا سيتحدثان مع بعضهما البعض.

وأوضحت لوموند أن تعيين شيخي في منصب “مستشار الذاكرة” للرئيس الجزائري فاجأ بعض الشيء مراقبي العلاقات الثنائية، حيث يُنظر إلى مدير الأرشيف الجزائري كـ”أرثوذكسي حارس لمعبد التاريخ الرسمي” لجبهة التحرير الوطني وصاحب موقف متشدد بشأن النزاع حول الذاكرة.

وتساءلت الصحيفة الفرنسية حول مدى قدرة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون على ضمان أن تسود مقاربة أكثر انفتاحاً في وقت يبدو فيه أن القمع الحالي ضد منظمي الحراك يعطي للمحافظين في الجيش مجالاً للمناورة ؟.

على أية حال- توضح لوموند- فإن عبد المجيد تبون يرسل رسالة مفادها أنه، مثل نظيره الفرنسي، يريد المضي قدمًا في مسألة الذاكرة هذه. وقد أدلى بتصريحات ودية إلى حد ما بخصوص إيمانويل ماكرون، الذي “ينتمي إلى جيل جديد” و”لم يكن على اتصال مع جماعات الضغط المناهضة للجزائر”، حسبما أعلن الرئيس الجزائري في المقابلة المطولة التي خص بها صحيفة “لوبينون” الفرنسية ونشرت يوم 13 يوليو/ تموز الجاري.

ومضت لوموند إلى القول إن بوادر حسن النية من إيمانويل ماكرون لوحظت في الجزائر حتى قبل انتخاب، عندما وصف الاستعمار بأنه “جريمة ضد الإنسانية” خلال رحلة إلى الجزائر فبراير/ شباط 2017 خلال حملته الانتخابية التي قادته لاحقا إلى الاليزيه. وبعد انتخابه رئيسا لفرنسا بستة عشر شهرا، قام ماكرون بالاعتراف رسمياً بـ”مسؤولية الدولة الفرنسية” في مقتل مدرس الرياضيات موريس أودان، الداعم للثورة الجزائرية، في عام 1957 والذي اختفى في 11 يونيو/ حزيران 1957 في ذروة حرب الجزائر بعد أن “تعرض للتعذيب ثم تم إعدامه أو تعذيبه حتى الموت” على يد جنود فرنسيين. وتوجه ماكرون يومها إلى منزل أودان بأحد أحياء ضواحي باريس حيث سلم لزوجته وولديها بياناً أكد فيه أن فرنسا أقامت خلال حرب الجزائر “نظاما استُخدم فيه التعذيب”.

ومؤخرا، في الثالث من يوليو/ تموز الجاري، أوفى ماكرون بوعده بإعادة رفات 24 من المقاومة الجزائرية الذين قتلوا على يد الفرنسيين، كانت محفوظة من عقود في متحف الانسان في باريس.

المضي قدما بشكل عملي

واعتبرت لوموند أن الخطوات الجديدة خلقت مناخًا مواتياً إلى حد ما بين باريس والجزائر العاصمة حول مسألة الذاكرة الاستعمارية التي طالما سممت علاقاتهما.. ولكن إلى أي مدى يمكن أن تذهب العاصمتان؟، تتساءل الصحيفة الفرنسية… موضحة في هذا السياق أن موضوع “الاعتذار” الذي يطالب به الجزائريون من فرنسا يعد بلا شك النقطة الأكثر حساسية. ففي مقابلته الأخيرة مع قناة “فرانس 24” بمناسبة عيد الاستقلال الجزائري، قال عبد عبد المجيد تبون إنه يتمنى الاعتراف بذلك، لكن في الرسائل التي يرسلها إلى باريس عبر القنوات الدبلوماسية، لا يذكر الرئيس الجزائري أي اعتذار ولا توبة، بل يطالب ويشدد على وضرورة “الاعتراف بحقائق” الاستعمار والحرب. سيبقى أن نرى كيف ستتوافق النغمة المتوازنة إلى حد ما مع القطاعات الأكثر تحفظًا في الأجهزة الجزائرية.

ورأت لوموند أو إحدى الطرق لتوضيح مسألة “الاعتذار” الحساسة هي أن تتقدم باريس والجزائر إلى الأمام بطريقة عملية في قضايا ملموسة أدت حتى الآن إلى تفاقم نزاع البلدين حول الذاكرة. وهي أربعة قضايا رئيسية: المفقودون والأرشيف وخرائط الحدود الملغومة والتجارب النووية في الصحراء.

وقالت الصحيفة إنه إن كان إيمانويل ماكرون قد فتح آفاقاً جديدة في قضية موريس أودان، فإنه يبقى على الدولة الفرنسية أن تكشف الحقيقة عن مئات حالات الاختفاء الأخرى التي لم يتم توضيحها بعد.

وأوضحت لوموند أن مسألة توطين الأرشيف الفرنسي في الجزائر هي ثاني منطقة حساسة يتعين على بنيامين ستورا وعبد المجيد شيخي معالجتها. فالجزائريون دعوا مراراً إلى “الاستعادة الكاملة” لهذه الأرشيفات باعتبار أنها جزء من تراثهم الوطني.

“الاعتبارات الاستراتيجية والاقتصادية”

أما القضية الحساسة الثالثة، فأوضحت لوموند أنها متعلقة بالألغام التي زرعها الجيش الفرنسي على طول 460 كيلومتر من الحدود مع تونس، و700 كيلومتر من الحدود مع المغرب. فقد انتظرت باريس حتى عام 2007- خمسة وأربعون سنة بعد الاستقلال!- قبل تسليم الجزائر خرائط. ولكن لا يُعرف إلا القليل عن ضحايا هذه الألغام.

في حين، تعد التجارب النووية التي أجرتها فرنسا في الجنوب الصحراوي، حجر العثرة الأخير بين البلدين. فمن فبراير/ شباط 1960 إلى فبراير/ شباط 1966، أجرى الجيش الفرنسي سبعة عشر اختبارًا – أربعة في الغلاف الجوي ثم ثلاثة عشر تحت الأرض – من مواقع Reggane و In-Ekker. هنا مرة أخرى، ما يزال هناك الكثير من المجهولين في المناطق الملوثة وضحايا الإشعاع. وتعد هذه القضية حساسة بالنسبة لباريس كما هي بالنسبة للجزائر العاصمة، التي سمحت باستمرار فرنسا لهذه التجارب النووية بعد الاستقلال بموجب بند من اتفاقات إيفيان في مارس 1962.

فهل يمكن الاتفاق على كل هذه الجراح التي تلتئم بشكل سيئ ، وتعد مصدرا لتوترات الذاكرة المتكررة؟، تتساءل صحيفة لوموند؛ موضحة في الوقت ذاته أن الصعوبة تكمن في أن هذا الحوار حول الذاكرة غالبًا ما يكون متغير واحد فقط في علاقة معقدة للغاية ومتعددة الأوجه بين فرنسا والجزائر. وهنا، يلاحظ المؤرخ سيلفي تينولت أن “الماضي غالبًا ما يتم استغلاله والتلاعب به من كلا الجانبين لصالح علاقات أوسع تهيمن عليها الاعتبارات الاستراتيجية والاقتصادية”. يضاف إلى ذلك الاضطرابات على مستوى السياسية الداخلية لكل بلد، حيث تنشط “مجموعات الذاكرة” بشكل متزايد.

وخلصت لوموند إلى أنه بين السياسة الواقعية للدول وتعدد “أطراف/جهات الذاكرة”، فإن الطريق إلى “التهدئة” الفرنسية الجزائرية حاد.

Related posts

“تسيير مراكز الردم التقني” تتصدر جهود مكافحة كورونا في الطارف

محمد الطيب

ربراب أمام محكمة سيدي أمحمد!

ليلى التلمساني

والي عنابة يغلق “الطاسيلي للحفلات”!

طاهر خليل

اترك تعليق